الرقص للرقص

القوانين الكونية … كيف نعيها في حياتنا …

الرقص للرقص .. لنتفهم هذا ..ّّّ!!!

مقال للدكتور الراحل : مصطفى محمود

الرقص للرقص
اذا كنا نأخذ موسيقى الجاز الآن من أمريكا فهي قد أخذتها من قبل من أفريقيا .. فهي إذن بضاعتنا ردّت إلينا في عبوة جديدة .
والرقص يتطور أكثر فأكثر في اتجاه الإيقاعات الزنجية .. انتهى رقص زمان الرومانتيكي الحالم الذي يتلاصق فيه كل راقص مع رفيقته ، ويتمايل الاثنان التمايل المخمور البطئ مع التانجو .

مثل ذلك الرقص القديم كان قيداً أكثر منه حرية ، وكان الفرد فيه يضيع في قبضة العاطفة ، وكانت الرقصة ذاتها وسيلة تقلب بين الذكر والأنثى ، وأسلوباً مهذباً من أساليب الغزل.

أمّا الآن فإن الرقص تطور إلى رعشات فردية مجنونة ورقصة مثل رقصة البريك هي رقصة فردية تماماً .

يرقص فيها الفرد لنفسه وللرقص .. لا يمسك ذكر بأنثى ولا أنثى بذكر ، وإنما كل واحد في عالمه يغني في واديه .
وتتحول الحركة إلى وسيلة تعبير عن الخبايا النفسية العميقة والضغوط السيكولوجية ، والتوترات الذهنية ،، ووسيلة تفريج من مختلف الطاقات المكبوتة بأسلوب برئ وفني فيه ابتكار وإبداع ، ويمكن أن ترى الشاب في لحظة الاندماج يؤدي ما يشاء من الحركات بدون قانون سوى الموسيقى ذاتها ، وسوى قانون النفس ، فهو يلاكم الهواء ، أو يتلوى في شاعريه ، أو يصفق ويصرخ ويدق الأرض احتجاجاً .

وهو مغمض العينين لا يرى أحداً .

وهو لا يتقرب برقصته إلى أحد ، ولا يتماسك مع أحد ، وإنما هو وحده مع كهنوته الداخلي ، فهي رقصة حرية وفردية ، وهي وسيلة تعبير بالفن والحركة عن المكنونات النفسية .
ومثلها كثير من الرقصات الفردية العنيفة التي انتشرت في هذا العصر .

وهي أشبه بمظاهرات احتجاج وعرائض شكوى أسلوبها الحركة ولغتها الموسيقى .

وهذا اللون من الرقص أفضل من الرقص العاطفي المخمور ، وأكثر حرية ، وأكثر براءة من التانجو الحالم الذي كنا نراه في كباريهات زمان .. وهو لون من التنفيس والتفريج الصحي عن طاقات الشباب العنيفة .

وهو صورة طبق الأصل من الرقص الزنجي الذي تشاهده في الغابة ، يرقصه الزنوج عراة في ضوء القمر على نغمات الطبول ، ولا يتخاصر فيه رجل بامرأة ولا امرأة برجل ، وإنما كل واحد يهيم وحده في عالمه يغني ويصرخ ويولول ويدق على صدره ويشكو إلى خالقه من ظلم هذه الدنيا بتلك اللغة الخرساء البليغة التي اسمها الحركة .

والرقص الآن هو زار مودرن يشترك فيه بنات وأولاد ركبهم شيطان الشباب وجن الرغبات المكبوتة .

وينفخ الزامر في مزماره ليعلن الشيطان عن نفسه ويخرج من القمقم ، وتنطلق الأحزان الدفينة كالجن من مخابئها .

وبعد ساعة من هذه التشنجات تهدأ النفس الثائرة وتعود إلى إتزانها.

وأمثالنا من الجيل الوقور المهذب الذي لم تتح له هذه الفرصة للتفريج عن أزماته والتنفيس عن غليانه الداخلي .. كانت تنتهي به أزماته إلى تشنج مرضي ، فيتشنج المصران ويؤدي إلى حالة “قولون” مزمنة ، أو يتقلص الشريان التاجي ويؤدي به إلى حالة ذبحة ، أو تشنج الشعب الهوائية ويؤدي به إلى حالة ربو .

ومثل هذه الرقصات العنيفة هي صمامات أمن ومنافذ وقائية للشخصية المتوترة ، وهي أحياناً أدوية أكثر نفعاً من أقراص اللومينال والبرترانكيل .

وهي رياضة في عصر هو بحق عصر الإنفجار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *