التنين والثعبان وتأثيرها على الحضارات البشرية

التنين والثعبان

نبيل سلامة

مقدمة:

تقول الأسطورة إن كل ثعبان لا يموت أثر حادث عرضي ، فإنه يحيا ألف عام ثم يتحول إلى تنين .

كما أن الكلمة اللاتينية المرادفة لكلمة التنين dragõon لها أصل باللغة اللاتينية القديمة من كلمة drakon والتي تعني حرفيًا ” الثعبان الكبير”.

وعالمنا الثنائي المحكوم بالقطبية كالليل والنهار، والخير والشر، والرجل والمرأة، والشرق والغرب. فبالتأكيد سوف نرى ميثولوجية التنين لها قطبيتها هي الأخرى بحيث أننا نرى عمومًا التنانين في الشرق تمثل قوى الخير في حين أنها في الغرب تمثل قوى الشر .

التنين الصيني

فالحيوان الأسطوري الأكثر رفعةً في الصين هو التنين ، وهو رمز للحكمة والخلود والولادة الجديدة ، لا بل حتى في تقويمهم السنوي شأنهم شأن أبراج زودياك ، ففي علم التنجيم الصيني توجد سنة ” التنين” وهي التي تُعرَف بأنها السنة التي تبلغ فيها نسبة المواليد أعظميتها قياسًا بالسنوات الأخرى .

وهكذا يجري إجلال التنين في الشرق كقوة تحمي، وتمنح المطر، وتضمن الخصوبة في الحقول، وتمثِّل السماء أيضًا .

وعلى هذا النحو كما يذكر عالم الأساطير الكبير جوزيف كامبل :

يختلف التنين الصيني عن تنين الغرب بالكلية، فهو يمثِّل حيوية المستنقعات ويأتي ضاربًا على بطنه وهو يجأر: “هاو ها ها ها هاو”، إنه تنين مُحبَّب ، لأنه يمنح محاصيل المياه هوية عظيمة ومجيدة على خلاف تنين الغرب الذي يحاول أن يجمع ويحفظ كل شيء من أجل ذاته حيث يجمع أشياء ولديه أكوام من الذهب في كهفه السري…

ففي الميثولوجيا الصينية “التنين” هو واحد من أربعة حيوانات مقدسة استدعاهم الإله الخالق پان كو Pan Ku للمشاركة في فعل الخلق. وهذا التنين عبارة عن خليط من عدة حيوانات سرانية فعيناه هما عينا نمر، أما جسمه فهو جسم ثعبان، وقوائمه هي قوائم نسر، وقرونه هي قرون أيل، وأذناه هما أذن الثور، وله شوارب سمك الشبوط .

من هذا المزيج من الحيوانات نستطيع تلمس الأصول الميثولوجية والأنثروبولوجية لهذا الكائن، فمن جهة هناك اكتشاف الأحفورات والمتحجِّرات التي يرجع أصلها إلى ملايين السنين لكائنات ضخمة يصل ارتفاعها إلى اثني عشر مترًا عُرِفَت بالديناصورات ، فهذا هو السبب الأكثر ترجيحًا لحضور مثل هذا الكائن، أي التنين، في اللاوعي الجمعي، ومن جهة أخرى له أصول ميثولوجية ترتكز بشكل أساسي على الثعبان والسمكة والتمساح في ميثولوجيا الفراعنة .

هناك في الميثولوجيا الصينية نرى الصورة الإيجابية للتنين الذي يرتكز على العنصر المائي عكس التنين الغربي الذي يقوم على العنصر الناري . إذًا تحكي الميثولوجيا الصينية عن

سمكة شبوط نظرت إلى قمة جبل، وقرَّرَت بلوغه. فسبِحَت في نهر إلى أعلى، وتسلّقَت تيارات ماء وينابيع لم تسمح لها بإعاقة مسيرتها نحو الأعلى حتى بلغت القمة، وكان هناك في القمة “بوابة التنين” السرانية، حيث قفزت إليها، وهناك تحولت إلى تنين.

ومن ميثولوجيا التنين في الصين تحدَّرَت ميثولوجيا كوريا التي تنظر هذه الأخيرة إلى التنين ككائن مبارك يشترك مع عنصر الماء والزراعة ويُعتبَر علة المطر والغيوم. ففي أسطورة كورية خاصة تحكي عن الملك الكبير مونمو Munmu وهو في سرير احتضاره رغب بالتحول إلى “تنين البحر الشرقي لكي يحمي كوريا”.

واليابان شأنه شأنه كوريا ورث أيضًا ميثولوجيا الصين حول التنين. ولكن في اليابان الأمر أكثر تعقيدًا كما سوف نرى لاحقًا في ختام هذا البحث علاقة التنين بالجماعات السرية التي لعبت دورًا حاسمًا في الأحداث الكونية لعالمنا !!

التنين في الثقافة اليابانية يشترك مع محارب الساموراي بسبب القوة والشرف والأخلاقية التي يتمتع بها هذا الأخير. وهكذا فإنه أمر عادي أن نرى الأدب والفنون في اليابان بشكل عام يدعون الساموراي بالتنين، أو في معاركه (أساطير وخرافات وحكايات) فالساموراي التنين يظل وفيًا إلى منظومة أخلاقية وسلوكيته، ومع مرور الزمن فإن شعلة التنين تستيقظ في داخله.

إذًا، عبرنا ميثولوجيا الصين مرورًا بكوريا وصولاً إلى اليابان شرقًا. والآن إذا عبرنا ميثولوجيًا من الصين غربًا باتجاه الهند، فإننا نرى تطورًا لنموذج التنين من خلال ارتباطه الخفي بنموذج الأفعى كما نوَّهنا آنفًا. يقول ميرسيا إلياد:

ثمة مفهوم في ثقافة الهند يتضح من خلال مماثلة البيت بالكون، فقبل أن يضع البناؤون الحجر الأول، يُحَدِّد لهم المنجِّم نقطة الأساسات التي توجد فوق الحية التي تسند العالَم، فيُفصِّل معلِّم البناء وتدًا ويغرسه في الأرض بدقة في النقطة المعينة بهدف تثبيت رأس الحية جيدًا. وبالتالي يوضَع حجر الأساس فوق الوتد. وهكذا يوجد حجر الزاوية بدقة في “وسط الكون”، ولكن عمل الخلق يتكرر من جهة أخرى، عمل النشأة الكونية: مثل غرس الوتد في رأس الأفعى، والقيام بتثبيته فيه.

التنين في الغرب

إن أول ما يتبادر إلى ذهننا هو التالي: “إذا كان التنين رمزًا إلهيًا مباركًا في الشرق، فلماذا إذن هو رمز شيطاني ملعون في الغرب؟”.

في الحقيقة إن الغرب قد تأثر تأثرًا كبيرًا بالثقافة المسيحية التي زحفت إليه من فلسطين وسورية وصولاً إلى روما عاصمة أكبر إمبراطورية في ذلك الوقت، وقامت هذه الأخيرة على اضطهادها بادئ الأمر، ثم تبنَّتها دينًا رسميًا لها، فانتقلت هذه الثقافة أي المسيحية شمالاً حتى وصلت إلى بلاد الغال، بريطانيا، والبلدان الاسكندنافية، وغربًا إلى إسپانيا وشمالاً إلى فرنسا.

والحقيقة أن الثقافة المسيحية هي الوريث الشرعي للثقافة اليهودية ، وبالتالي الثقافة التوراتية، ولعل أحد أكثر الشعوب التي تعرضت للاضطهاد عبر تاريخه، هو الشعب اليهودي. وربما أول اضطهاد عاناه هذا الشعب كان على يد فرعون مصر، لذلك دُعِيَ فرعون تنينًا في سفر حزقيال النبي، والحق يقال

إنه ليس مُرعِبًا وشريرًا فحسب بل خرافيًا أيضًا بمعنى أنه يمثل الطبيعة المتناقضة للشرِّ كواقع أخلاقي وكنَفيٍ أبدي لهذا الواقع. وأيضًا يتكرر هذا النموذج بأعلى درجاته في سفر رؤيا يوحنا حيث يُدعَى التنين بـ”الوحش الذي كان والذي لم يكن ومع ذلك فهو كائن”.

وهناك في التوراة أيضًا وحش بحري يُدعَى “اللوياثان” وُصِفَ على أنه عدو المسيح، وبأنه مُقدَّر أن يقتله المسيح في “عيد الرب” و”اللوياثان” مصدر العقم الاجتماعي لأنه متوحِّد مع مصر وبابل مضطهدي إسرائيل، ووُصِفَ في سفر “أيوب” بأنه “ملك على أبناء الغرور”. ويبدو أيضًا أنه مرتبط جدًا مع العقم الطبيعي للعالم المُنهار، ومع عالم الصراع والبؤس والمرض الذي دفع الشيطان إليه “أيوب”، ودفعت الأفعى آدم من عدن. ففي سفر أيوب تتألف رؤيا الرب من أوصاف اللوياثان، ومن أوصاف أقل لابن عم اللوياثان، وهو وحش بري يُسمَّى “البهموت”. ومن الواضح أن هذين الوحشين يمثلان نظام الطبيعة المنهار، النظام الذي يسود عليه الشيطان. وفي سفر الرؤيا اللوياثان والشيطان وأفعى عدن كلهم شيء واحد .

اللوياثان عادة هو وحش البحر، الذي استعاريًا يعني البحر. والنبوءة التي تقول إن الرب سيخطف اللوياثان، ويجفف البحر في سفر حزقيال تتوحد مع نبوءة يوحنا التي تقول إنه لن يكون هناك بحر بعد الآن .

والبحر أيضًا يشتمل على مياه المطر المانحة للحياة التي تبشِّر بالربيع وهو يحتبسها. والحيوان الهولة الذي يبتلع كل مياه العالم ثم يُعذَّب أو يُجبَر على إقيائها، موجودة في قصة شعبية مُحبَّبَة، والأسطورة الرافدية (أي بلاد ما بين النهرين) تقبع وراء قصة الخلق في سفر التكوين .

لعل هذه الرؤية للوياثان تظهر ساطعة في الحياة النسكية الأورثوذكسية في جبل آثوس. نقرأ على سبيل المثال ما نقله إلينا من خبرة نسكية “يوسف الهدوئي” في إحدى رسائله كتب يقول :

رأيت في الحلم أنني كنت على مرتفع، وكان بإمكاني أن أعاين مقابلي سهلاً فسيحًا جدًا كأنه البحر. وكان جمهور عظيم، معظمهم من الرهبان يعبرون من الغرب إلى الشرق. أمامهم على امتداد السهل كانت هناك فخاخ منصوبة. وإذا كانوا يمشون غير حريصين فإنهم يقعون في الفخاخ، ليس كلهم في الموضع نفسه من الجسد، بل بعضهم في رجليه، وبعضهم في يديه، وبعضهم في بطنه، وبعضهم فيما تحت سرة البطن، وكانت الفخاخ عمومًا تنشب في مختلف أعضاء جسمهم لا فرق… ثم رأيت هذا السهل ينشطر من الوسط، وكما من فوهة بركان يبرز غول أسود كريه، طويل جدًا، كله سخط، ولسانه متدل، وهو يضحك على المنكود حظهم الذي تمكن سحره منهم. إذاك فهمت من يكون وإلامَ يرمز وأننتُ ألمًا واحسرتاه على جنسنا لهذه الحية الجهنمية التي تحاربنا بمثل هذا السخط والإصرار .

بالتأكيد نستطيع فهم ذلك في ضوء علم النفس الذي يخبرنا ما يجول في لاشعور الناسك من جهة، وتأثير الثقافة اليهودية المسيحية في توليفة لاشعوره الروحي.

من الجدير بالذكر أن سفر الرؤيا ليوحنا تظهر حيوانات ذات قرون معظمها ذوات أربع قوائم، وسيدها الأعلى هو التنين، وهذا الأخير هو “نوع خرافي أو فلنقل أسطوري من الأفاعي”. إذًا هو نموذج متطور عن نموذج أو صورة الأفعى بقدراتها الهائلة، ففي كتب

الخيمياء اللاتينية للقرن السادس عشر، تظهر الأفعى ذات القرون على شكل أفعى رباعية القرون، وهو رمز عطارد المضاد للثالوث المسيحي .

ولكن علينا ألا ننسى أن المسيح الذي يظهر في الأناجيل والرؤيا على نحو رمزي بصورة حمل الرب أو السمكة، فهو أيضًا الثعبان الممجد على الصليب.

كتب Cyrille من أورشليم :

التنين بيهموت Dragon Behemoth حسب سفر أيوب أنه كان في المياه وتلقف الأردن في شدقيه، وعليه، وكما توجب سحق رؤوس التنين، فإن يسوع بنزل في الأمواه أوثق القوي بهدف أن نحرز القوة بالمشي على العقارب والأفاعي .

الصراع مع التنين :

نجد في القبالة أن الإله يهوه يقدِّم “لوياثان” وليمةً للأبرار، وكنا رأينا أن “لوياثان” هو وحش بحري يرمز إلى الشر.

نرى في أساطير الشمال الطفل “سيغفريد” كيف

تعلم تذوق دم التنين لكي يحصل على شيء من قوته. وعندما قتل “سيغفريد” التنين وتذوق طعم دمه، عند ذلك سمع أغنية الطبيعة، وارتفع بإنسانيته، ووحَّدَ بينه وبين قوى الطبيعة التي هي قوى حياتنا التي تسير عقولنا طبقًا لقوانينها .

وبدوره يقول نورثروب فراي :

إن الشكل المركزي للرومانس – البحث، هو موضوع قاتل التنين، المبسَّط في سيرة القديسين جاورجيوس وبيرسيون… بلاد يحكمها عجوز عاجز، تصبح أرضها يبابًا بسبب وحش بحري، لابد من تقديم فتى له بعد الآخَر ليكون فريسة يومه، إلى أن وقعَت القرعة على ابنة الملك، وعند هذه النقطة بالذات يصل البطل، فيقتل التنين ويتزوج من ابنة الملك، ويرث العرش…!

… وفي نسخ الحكايات الشعبية لقتل التنين، نرى الضحايا السابقين يخرجون من جوف التنين أحياء بعد قتله. فإذا كانوا في جوف التنين فالبطل يأتي لمساعدتهم، ويدخل البطل من فم الوحش مثلما فعل “يونان” (يونس) والذي (يعلن يسوع أن يونان هو نموذجه البدئي) ثم يخرج وخلفه المحررون. أما أشكال الرحلات الدنيوية داخل جوف الوحش فهي ترتبط بهذا الموضوع نفسه. وصورة المتاهة المظلمة لجوف التنين هي صورة طبيعية، ويتكرر ظهورها في الرحلة البطولية التي قام بها ثيسيوس الذي نراه خارجًا من المتاهة على رأس موكب من شباب وعذارى أثينا الذين كانوا أضاحي التنين.

ولعلنا لا ننسى أيضًا نزول المسيح إلى العالم السفلي لكي يحرر الذين هم في عهدة سلطان العالم السفلي..!!

لاشك أن تطور البحث عند هذه النقطة يضعنا أمام مسألة هامة وهي أن التنين غالبًا ما يكون حارسًا للكنز، ففي البعد النفسي للأسطورة السابقة (القديس جاورجيوس) فالتنين هنا هو الأنا الذي يلتهم “الأنيما” وفقًا لعلم نفس يونغ أي “الأنثى الداخلية” أما البطل فهو “الذات” أي رحلة البطل في أعماق النفس نحو التفردن. ووصوله للتفردن أي “الذات” هو ما ينقذ فيه نفسه العميقة “الأنثى الداخلية” أي “الأنيما” من براثن الأنا، ويتزوج منها أي يتحد بها، فتحصَل الخيمياء باتحاد الأقطاب، الذكر مع الأنثى، ويولَد الإنسان الجديد.

وفي هذا السياق، ليس التنين سيكولوجيًا سوى عبودية الإنسان إلى أناه الخاصة، فنحن جميعًا أسرى أنيَّتِنا الخاصة. إذًا، تكمن مهمة البطل في أن يحررنا من هذا التنين، وهذه هي مهمة الغورو (المعلم الهندوسي أو اليوغي)، ومهمة المعلمين الروحانيين على مر العصور.

إذًا، كما رأينا صورة التنين حارس الكنز، كثيرًا ما ترِد في القِصص الشعبية، والكنز يعني الثروة التي هي في الرومانس مخلوقة خلقًا أسطوريًا. تعني الثروة في أشكالها المثالية معرفة الذات والحكمة.

فالعالم الأسفل أو العالَم الداخلي، أو العالَم الذي يقَع خلف التنين الحارس، تسكنه في أغلب الأحيان عرافة، وهو مكان النبوءات والأسرار .

إذًا، صورة التنين حارس الكنز، الكنز المرتبط بمعرفة الذات والحكمة كما أشرنا قبل قليل، فالثروة التي يحرسها التنين هنا هي “المانا”. يقول يونغ :

إن ما ندعوه بالشخصية المانا، هي الشخصية التي تمتلك قدرة خفية كامنة، المانا بالتحديد تمنحها القوى والمعارف السحرية .

فالحصول على “المانا” مرتبط ارتباطًا حصريًا بتحرير “الأنيما” أي “النفس العميقة” من عبودية الأنا الواعية ودمجها في الذات العميقة أي البطل الداخلي في رحلته نحو التفردن في المصطلحات اليونغية.

ولما كان التنين هو حارس الكنز فهذا يعني أن التنين نفسه هو كومة أو أكداس من الكنوز. فالتنين هو كائن يجمع بين الحداد والصائغ، وهو رمز يوَحِّد الأرض الصلبة مع الأرض النادرة. ومن الجدير بالذكر هنا أن التنين يمثل وحدة القوة من جهة والقيمة من جهة أخرى – تحديدًا لفهم تنين الخيميائيين الذي سنأتي على ذكره بعد قليل. والحال هذه فإن غذاء التنين هو الذهب – رمز الحب الحقيقي بين قطبين إنسانيين على المستوى الروحي الأعلى – متدنيًا على المستوى البيولوجي الذي يشهَد انبعاثات الطاقات الجنسية والنفسية بين هذين الكائنين اللذين يمارسان الحب أو حتى فيما يُعرَف سيكولوجيًا بالإيروسية الذاتية. وبالتالي لكي يكون التنين براقًا يجب أن يتغذى على طاقات جذابة بما في ذلك الذهب البراق أيضًا!

نعود إلى قصة صراع القديس جاورجيوس مع التنين حيث تستمر المعركة ثلاثة أيام. وفي نهاية كل يوم من اليومين الأولين يندحِر القديس جاورجيوس، ولكنه يستعيد قواه في اليوم الأول بماء الحياة، وفي اليوم الثاني بشجرة الحياة، وهذان الرمزان لهما علاقة وثيقة بالأسرار المسيحية المقدسة.

ولا ننسى أن شعار القديس جاورجيوس هو صليب أحمر على أرضية بيضاء، وهو العلَم الذي أوجده المسيح في التقليد الأيقوني، عندما عاد منتصرًا على التنين المُمَدَّد إلى الجحيم. فالأحمر والأبيض هما رمزان لارتباط المظاهر القدسية بالمظاهر الجنسية لرمزية الأحمر والأبيض حيث النقطة الصعبة في الخيمياء لإنتاج إكسير الخلود الذي يكمن في اتحاد الملك الأحمر مع الملكة البيضاء الأمر الذي أشرنا إليه سابقًا في علم النفس اليونغي باتحاد القطبين الذكري مع الأنثوي أي الأنثى الداخلية في الرجل أو اتحاد اليانغ مع اليان في الفلسفة الطاوية.

ولعلنا ندرك قطرة الحياة والرابط الخفي الذي أتينا على ذكره بين التنين والثعبان، وبالتالي فإن قطرة الحياة أو إكسير الحياة، والثعبان وما يحمله أو يقذف به هو السم أي قطرة الموت ولكن الترابط المدهش بين المتناقضات والأقطاب أي الأضداد يجعلنا ندرك أن هذا السم يحمل الشفاء والشباب الدائم أي الخلود. ويظل الثعبان حيوان غامض، وسحري، ورمز للتحول كما سوف نرى فيما بعد.

سيكولوجيا التنين في الغرب

إذًا، رأينا وفقًا لعالم الأساطير الكبير جوزيف كامبل أن التنين هو عبودية الإنسان لأنيته الخاصة. ولكن إذا درسنا سيكولوجيا “التنين” في الفكر الغربي متمثلاً في علم نفس يونغ أي علم النفس التحليلي أو علم النفس المركب، فإننا نجد مرادفة “الظل الجمعي” حيث يُنظَر إلى التنين كعنصر أساسي في اللاوعي الجمعي، والذي يمكن تمثيله من خلال صور النماذج البدئية كالتنين، والثعبان، أو الأفعى، ومملكة الشر… إلخ.

وكما يقول ستيفن. إف ووكر في كتابه يونغ واليونغيون والأسطورة حول ما كتبه يونغ في عام 1949:

إنه ما من أحد يقف خارج نطاق الخير والشر إلا وسيكون خارج نطاق هذا العالَم. فالحياة توزان دائم بين الأضداد كما هي الحال في سلسلة العمليات الطاقية كلها ذلك أن إلغاء الضد يساوي الموت.

وإذا ما ألقينا نظرة إلى النساك الكبار إبان القرن المنصرم في جبل آثوس كالقديس سلوان الآثوسي على سبيل المثال، فهذا الأخير لم يصل إلى حالة الاستنارة الروحية أي السكينة الداخلية ومملكة النور غير المخلوق، أو ما يسمونه النساك هناك في الهدوئية وفقًا لتقليد الإزيخيا أي الهدوئية وهي نظير الاستنارة البوذية، إذًا هذا الناسك القديس لم يصل إلى هذه الحالة إلا بعد سنوات طوال من المجاهدة الروحية والضنى حتى تناهى إلى سمعه الداخلي صوت يقول له: “ابق بذهنك في الجحيم ولا تيأس”، إذًا عليه أن ينزل بذهنه إلى أعماق الجحيم وظلماته حتى ينال السلام الروحي ويحقق حجَّه الروحي الداخلي مراده من التجربة الروحية وتولد الهدوئية أي الاستنارة!

التنين والثعبان

إن أصول الثعبان تعود للأزل فهو مولود سماوي، ولكنه تعرَّض للسقوط، وسقوطه هنا هو مجرد استعارة أو مجاز. فالثعبان هنا دخل في حقل المادة، وأصبح سيدًا لها… فالثعبان والزواحف كما تشير مدام بلافاتسكي في كتابها العقيدة السرية إلى أنهم أول شعاع صدر عن السرِّ الإلهي اللامتناهي… وبالتالي فالثعبان هو الإلهي نفسه المتوغل في حقل الزمان والمكان، حقل الطبيعة والمادة، ومن ثمَّ تطورت صورته حتى أخذت صورة التنين كرمز للعظمة والقوة الإلهية عند الشرقيين خصوصًا .

وعُرِفَ التنين أو الثعبان منذ القِدَم بسبعة رؤوس، وفي الحقيقة كما تشير بلافاتسكي في كتابها الآنف الذكر إلى أن هذه الرؤوس تصبح “ألف رأس” ولا حاجة بنا للحديث بأن العدد “سبعة” يشير للإلهي نفسه.

للأسف منذ أن تبوَّأت المسيحية بمؤسستها الكنسية كرسي السلطة في الإمبراطورية الرومانية حتى قامت على شيطنة تلك القوى العمياء التي تخضع لها الطبيعة بأسرها بما في ذلك الطبيعة الإنسانية أيضًا تخضع لها بشكل أو بآخر، وأضفَت قدرة التنويم المغناطيسي على الثعبان الذي يقوم على تنويم فريسته تنويمًا مغناطيسيًا حتى ينقض عليها ويفترسها.

والحق يُقال إن الثقافات كلها على امتداد التاريخ لم تقم باعتبار الشر دون الخير فكلاهما ضروريان (باستثناء الثقافة المسيحية التي خلقت فصامًا بينهما)، فالخير والشر أخوان توأمان، وإن أضفى العالَم المسيحي صفة الشر على التنين، وأخذ يحاربها بعنف لا نظير له تحول إلى عنف حقيقي تجلى في حروب الصليبيين ومحاكم التفتيش والتعذيب والسجن بتهمة الهرطقة ناهيكم عن مئات الألوف من الضحايا النساء اللائي تم حرقهن وتعذيبهن بتهمة تعاطيهن للسحر!

ولكن إذا قمنا بنظرة واقعية فكما أن نظرية “أرخميدس” تقول بالفعل ورد الفعل، فمن هذا المُنطلَق يكون الشر أو التنين هو رد الفعل تجاه فعل الخليقة أو التكوين، فهو الضد الطبيعي والنقيض لهذا الفعل، وبالتالي فوجوده مهم لتوزان الوجود والخليقة بأسرها. ومن النافل إدانته ومحاربته كما فعلت المؤسسة الكنسية! والنتيجة التي رأيناها بوضوح على أرض الواقع ما هي إلا “فشل المسيحية” بفضل مؤسستها الكنسية التي قامت هذه الأخيرة على طمس الحقائق الروحية الإلهية للشعوب القديمة، وباركت عمليات إبادة الهنود الحمر، وتدمير حضاراتهم الراقية ومعابدهم، والعمل على بناء كنائسهم الفاسدة على دماء الضحايا والأبرياء.

إذًا، ما هي قصة “لوسيفر” ومعنى لوسيفر “الفائق الجمال” الذي سقط من عالي السماء؟ إنه ذلك التنين الإلهي الذي كان روحًا نقية قبل أن يتحول إلى مادة ويقيم بالتالي مملكته حيث أصبح يدعونه “أمير الظلمات” كالقمر في الليل… ولكن لا غنى عنه لتوازن الوجود بأسره، كما لا غنى عن الرجل أو الليل لاستمرار دورة الحياة!

وفي الحقيقة ليس هذا السقوط في اللاهوت المسيحي، أي التطور الهابط في المفهوم السراني، إلا رمز أو استعارة لاكتساب المعرفة والتعلم وبالتالي “المساررة الكونية” بامتياز.

فهذا الكائن الإلهي الذي شيطنَته المسيحية، نقرأ دعاءً باعتباره فيشنو أحد الثالوث الهندوسي. يقول الدعاء:

المجد لك لست سوى واحد مع القديسين، حيث الطبيعة الكاملة مباركة أبدًا، وأنت تعبُرُ من دون شدَّة كل العناصر القابلة للاختراق، المجد لك. فأنت لستَ سوى واحد مع سلالة الثعبان ذا اللسان المزدوج، وعنيف، وقاس، وشره للذة، وتملك ثروات هائلة…

فهذا الكائن يتماهى مع أحد الثالوث الإغريقي زيوس وبوسيدون وهادس… نعم، إنه يتماهى مع الإله “هادس” ونظيرة فيشنو الهندوسي… إن “هادس” هو سيد العالَم السفلي كما رأينا في الدعاء الموجه إليه، وفي حديثنا عن التنين بمعناه الخفي أي حارس الكنز فهو يقيم هناك في مركز العالَم، وعلى مستوى كوكبنا فإن مملكته في العالَم السفلي يحوي معظم وأهم الثروات التي نعرفها في عصرنا هذا.

فالثروات في عمق الأرض يمكن أن يُرمَزَ لها من خلال ذيل التنين المجنح أي رمز القوى ما تحت الأرض والتي تملك أجنحة أيضًا. فاللهب الذي ينفثه التنين ما هو إلا ثروات الأرض الباطنية كالبترول ومسحوق البارود وأخلاط الغاز، والذهب والألماس والأحجار الكريمة كاللؤلؤ وسواها ما هي إلا القشور التي تحيط بجسمه الحي.

وكما رأينا في الدعاء فهو لا يشبَع من الملذات لأن اللذة الجنسية هي ذلك المجال الحيوي الطاقي الذي ينتمي إلى العالَم السفلي، ويشكل غذاء طاقيًا حيويًا له، وعلى مستوى الجسد يتموضع المركز الانفعالي الجنسي في أسفل الجذع أي أنه السيد الذي يقود الساقين وهما رمز الجذور في العالم السفلي أو عالَم اللاوعي أو حركة الزمن التي يقودهما من خلالها لارتواء اللذة حاجته القصوى أو فلنقل حاجته الإلهية والشيطانية معًا.

وبعد شيطنة هذا الكائن في الموروث المسيحي ظهرت صورة الشيطان الذي يحمل جناحين ولديه قرون أيل ذهبية تشير إلى القوة والطبيعة من جهة وإلى أصله الإلهي من جهة أخرى، ونفكر بالجناحين أنهما يشيران إلى أصله السماوي أيضًا، ولكن قد لا يكونان الجناحان إلا اليوم نفسه بليله ونهاره فهو سيد هذا العالَم، وبالتالي يخفق بجناحيه لكي تدور عجلة الأيام وفقًا لإيقاع الليل والنهار.

الإنسان كمظهر للتنين نفسه

يقول فلاديمير جيكارنتسيف:

كان في الجنة آدم وحواء معًا، الأمر الذي يشير إلى أن الجنة هي المكان الذي تتواجَد فيه البدايتان الذكرية والأنثوية في حالة اتحاد أي في كل موحَّد. وبالتالي فالجنة هي الكل الموحِّد وهي السكينة. ثم يظهَر الثعبان، الذي يغري حواء لكي تقطف وتأكل الثمرة من شجرة معرفة الخير والشر. أما من هو الثعبان؟ فإننا نعرف أنه ينتمي إلى البداية الذكرية، أي إلى قوة الحياة، والتي كان الأجداد الروس يسمونها (فولوس أو فيليس)، والثعبان يتطابق تشريحيًا مع العمود الفقري في جسم الإنسان، ولكن من الجدير بالذكر إلى أن العضو التناسلي الذكري يشبه كثيرًا الثعبان وهو في حالة انتصابه.

ذيل الثعبان يختفي داخل الجسم، حيث تُختزَن عند الرجل نطافه، أما جسد الثعبان الضخم فيمتد على طول العجان ويستند عليه الجزء المنتصِب. وكما يشبه رأس العضو الممتلئ بالقوة الحيوية رأس أفعى الكوبرا عندما تنهض وتنفتِح قلنسوتها. كذلك فإن الثعبان الذكري العظيم يقذف نطافه، كما تقذف الأفعى عصارة الحياة.

يقوم الثعبان بإغواء حواء لكي تتذوق الثمرة من شجرة معرفة الخير والشر، وهنا نجد أن القوة الحيوية لآدم قد استيقظَت، ورفع الثعبان العظيم رأسه. وطالما أنه رفع رأسه، فذلك يعني أن حواء صارت مستعدة لاستقبال القوة الحيوية، أي أنها صارت مستعدة للحمل ومنح الحياة لإنسان جديد.

وبالتالي فالرجل بسِماتِه الذكورية ينزِل إلى الأرض أي إلى عالَم الخير والشر، عالم الثنائية. والمرأة بأنوثتها تُرفَع إلى السماء حيث يعود كل شيء واحِدًا، والإنسان يأتي إلى الأرض بمساعدة الحياة، ويصعد إلى السماء بمساعدة الموت.

والرجل عندما يمارس الحب مع المرأة، يشعر فعلاً بأنه يصعد إلى السماء السابعة من جراء قوة المتعة وشدتها .

وهو فعلاً يدخل النعيم عندما يحب المرأة. كما أن الفرنسيين يسمون الأورجازم أي الرعشة الجنسية بالموت الصغير. ولكي لا نبتعِد عن موضوعنا فقد أتينا على ذكر الثعبان أنه بالنسبة للأجداد الروس هو “فولوس” أو “فيليس” فمن هو هذا الفولوس؟ (لعلنا نلاحظ تشابه الألفاظ مع اللفظة اليونانية “فالوس”). يجيب أيضًا جيكارنتسيف:

حيث يشكل الرجل والمرأة كلاً واحدًا فهناك يتكون الثعبان الأزلي مجددًا. فالثعبان رمز للتحول والتجدد والولادة الجديدة أي الاتحاد والتكامل. ولذلك فإن ممارسة الحب هي أضمن وسيلة للخروج من عالم التجزئة والثنوية إلى عالَم الكل المُوَحِّد حيث يسود الحب.

وكما ذكرنا آنفًا أن الثعبان يتطابق مع العمود الفقري في جسم الإنسان ذلك أن النخاع الشوكي ظهر أولاً، وهو المسؤول الأول عن الحفاظ على البقاء أي عن الحياة على الأرض .

إذًا، كيف أصبح التنين مظهرًا للإنسان نفسه؟ رأينا فيما سبق تطابق العمود الفقري والنخاع الشوكي المسؤول عن الحفاظ على البقاء أي دافع البقاء للإنسان على الأرض، ولكننا لم نلاحظ ذلك التعقيد الهائل والكوني لهذا العمود الفقري أو امتداده في الدماغ الإنسان، هنا يتحول الثعبان إلى تنين من حيث قدراته الكونية!

ولكنه هل ينفث اللهب الروحي من فمه كالتنين بعد مرحلة ما من مراحل تطور الإنسان روحيًا؟

فلنسمع تصريح أحد نساك جبل آثوس “سخاروف” يقول:

حين كنتُ أقوم بطقوس الصلاة خرج الاسم الإلهي وكلمات الصلاة من فهمي كاللهب. استمررت في هذه الحالة ثلاثة أيام…

قوة فولوس

ذكرنا قبل قليل إلى أن قوة الحياة كان يسميها الأجداد الروس بـ(فولوس أو فيليس)، وذكرنا أيضًا ارتباط لفظة “فولوس” بنظيرتها اللاتينية “فالوس”، وأشرنا إلى تطابق “فولوس” مع الثعبان على مستوى جسده تشريحيًا، وكيف تطور هذا الأخير تشريحيًا إلى أن أصبح تنينًا!!

الآن من المعروف أن الشعر على الجسم هو قوة “فولوس” ولذلك ففي حكايات العصور الوسطى حول ميرلان Merlin وهو ابن الشيطان، ولكنه ابن مُحبَّب جدًا بما يتمتع من قدرات وحكمة ومقدرة على الحب مختلفة عن مفهوم الشيطنة الذي ألحقت المسيحية بهذا الكائن، إذًا كان لميرلان Merlin جسم مكسو بالشعر، وله القدرة على إيصال الملوك إلى العرش، وله القدرة أيضًا على خلعهم عن العرش، وهو الذي تنبأ لأحد الملوك الذين اغتصبوا العرش، بوجود تنينين تحت قلعته الأول لونه أبيض والثاني لونه أحمر سخرت حاشية الملك بادئ ذي بدء، ثم قاموا بحفر الأرض حتى عثروا عليهما نائمين فاستيقظا وأخذا يتقاتلان فيما بينهما، ونفث التنين الأبيض بنيرانه حتى أحرق التنين الأحمر، أما التنين الأبيض نفسه فقد مات متأثرًا بجراحه، إنه صراع التنانين الذي يذكرنا بالحربين العالميتين الأولى والثانية أما الثالثة ونحن الآن بصددها فهي آخذة سيناريوهات مختلفة واحتمالات من الصعوبة بمكان التنبؤ بها… وتجدر الإشارة هنا في هذه الحكاية إلى أن التنين الأبيض هنا حصرًا يمثِّل “القوة الإيديولوجية أو المثالية” وبالتالي فمصيرها إلى زوال شأنها شأن الاتحاد السوفياتي الذي كان موشكًا أن يحرق التنين الآخر في ما يذكره التاريخ حول الحرب الباردة التي أخذت أوجها في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي في مواجهة لا سابق لها بين القوتين العظميين عندما قام خروتشوف بمحاولة نصب الصواريخ النووية في كوبا القريبة جدًا من سواحل الولايات المتحدة الأميركية. نعود إلى الحكاية، فكما أشرنا أن التنين الأبيض وقد مات متأثرًا بجراحه فهو يمثل “الأيديولوجيا والمثالية… الخ”، لماذا إذًا محكوم عبر التاريخ بموت المثالية وهزيمتها ونظيرتها الأيديولوجيا؟؟ في الحقيقة أن كلمة مثالية أتت من اللفظة اليونانية “يوتوبيا” ولكن إذا أمعنا النظر في اشتقاق هذه اللفظة اليونانية فهي تتكون من مقطعين، الأول: “يو” وهو حرف النفي في اليونانية أما المقطع الثاني “توبيا” فمصدره الاشتقاقي يأتي من لفظة “توبوس” وتعني بالمكان، إذن اجتماع المقطعين هو نفي للمكان، وبعبارة أخرى المكان الذي لا وجود له، وكانوا يطلقونها على وصف النظام الاجتماعي المثالي. إذن لعلنا أدركنا لماذا كان مصير التنين الأبيض في حكايتنا هذه الموت متأثرًا بجراحه شأنه شأن الاتحاد السوفياتي في القرن المنصرم!!

نعود إلى ما بدأنا به حول “قوة فولوس”. يشير فلاديمير جيكارنتسيف إلى أن

فولوس يعيش تحت الأرض وتحت الماء، وبالتالي فهو في أسفل الأسفل أي أسفل البداية الأنثوية التي هي الأسفل والأرض. والطريق إلى فولوس يأتي عبر العجان، والرجلين المتصلتين بالعالم السفلي.

إذًا، في أسفل الأسفل في قاع الحفرة السوداء حيث يسود الظلام الدامس، وحيث يغيب كل شعاع للأمل بأنك ستجتاز الأزمة، وتحقق ما تريد وتنتصر، فهناك يوجد باب صغير، وخلف هذا الباب ستجد قوة الحياة ومعها الغنى والازدهار.

ولكن ما الذي يمكن إيصالك إلى القاع حيث يسود الظلام الدامس؟ إنها شعلة الروح التي مازالت جذوتها حية فيك!

نموذج الثعبان

يقول الفيلسوف الكبير غاستون باشلار في كتابه الأرض:

إن نموذج الثعبان أو الأفعى هو الأكثر توغلاً في الأرض بين سائر حيوانات الأرض، ولذلك تطور النموذج إلى تنين يسكن جوف الأرض وهو سيد الحيوانات وسيد العالم السفلي.

والحق يقال إن للثعبان وظيفة ازدواجية، فهو قادر على منح الحياة، وقادر على منح الموت أيضًا. نعم فهو سيد التناقضات، إنه ليِّن وقاس، مستقيم ودائري، جامد ومتحرك، بطيء وسريع، سماوي وأرضي، ولديه القدرة والكسل معًا، ولديه القدرة على الاستمرار بالخلق وهو نائم!

وكما ذكرنا أن نظير الثعبان في الجسم البشري هو عموده الفقري والنخاع الشوكي أولاً وعضوه التناسلي ثانيًا، وثالثًا أمعاؤه الملتفة تحت العمود الفقري وهي مكان هيمنته، وتذكِّرنا بمتاهة ثيسيوس البطل اليوناني الأسطوري، وحركة الأمعاء شبيهة بحركة الثعبان.

وفقًا لـ D.H.Laurence في كتاب الثعبان ذو الريش Le serpent à plumes :

في قلب هذه الأرض نفسها ينام ثعبان هائل وسط اللهب. فإن أولئك الذين ينزلون إلى المناجم يشعرون بحرارته، ويشعرون به يتحرك. إنها النار الحيوية للأرض لأن الأرض تحيا. ثعبان العالم ضخم: فالصخور هي قشوره. أقول لكم إن الأرض التي تحرثونها هي حية مثل ثعبان نائم. وأنتم تمشون فوق هذا الثعبان الضخم. إذا مات الثعبان فستهلك، ومن صخوره الدفينة نستخرج النقود أي المعدن والذهب، وتضرب الأشجار جذورها فيه كما أن شعرنا يستقر في جلدنا.

ومن الجدير بالذكر أن الثعبان يمثل الغنوص أي “العرفان” لأنه هو الذي دفع بحواء لمعرفة الخير والشر. ويمثل أيضًا السر الكبير. والحقيقة ففي المعارف السرانية للكونداليني يوغا فإن طاقة الكونداليني هي عبارة عن ثعبان ملتف حول نفسه في قاعدة العمود الفقري. وما أن يجري تحريض هذه الطاقة أي هذا الثعبان حتى تبدأ الحياة السرانية لليوغي بصعود طاقة الكونداليني مصاحبًا استيقاظها في أسفل العمود الفقري شعورًا حادًا بالألم كوخزة حادة تعقبها حركته التموجية صعودًا باتجاه مراكز الطاقة أي الشاكرات مقتربًا من شاكرا الجنس باعثًا على شعور بالنشوة. وإذا كان المريد اليوغي مقتدِرًا تحت إشراف معلم قدير، فإن رحلة الكونداليني تستمر بالصعود حتى مركز الطاقة السابع حيث تنفتح البصيرة أي العين الثالثة ومع وصوله إلى مركز الطاقة السابع يكون قد اجتاز المراكز السبعة أي الشاكرات السبع فاتحًا إياها كزهرة اللوتس التي تتفتح مفعِّلاً إياها وموسعًا من الإدراك والوعي وصولاً إلى الوعي الكوني حيث تلتقي البداية بالنهاية، وهذا هو الثعبان الملتف حول نفسه مشكلاً دائرة يظهر فيها وهو يعضُّ ذيله، وهو رمز للألوهة.

ومن الجدير ذكره أنه في علم الأيقونات المسيحي كان يظهر ثعبان ذا رأسين حيث الأيمن يمثل المسيح والأيسر يمثل أخيه الشيطان أو ما يسميه اللاهوت المسيحي بالمسيح الدجال!

الجماعات السرية التي اتخذت التنين اسمًا لها

لعل أبرزها جماعة “التنين الأخضر” اليابانية. وكما ذكرنا في الميثولوجيا الصينية أن التنين الأخضر يمثِّل الشرق، ويشير الباحثون إلى أن غوردجييف كان أحد أبرز أعضاء هذه الجماعة التي يقولون إنها لعبت دورًا كبيرًا في خلفية العقيدة النازية للاشتراكية السحرية. ولعل هذه الجماعة كان أحد أهم أهدافها هو التحكم بالطاقة فريلVril. والحقيقة أن عقائد هذه الجماعة أظهر جانبًا خرافيًا تبنَّته الجماعة الثيوصوفية كالأرض الجوفاء حيث مراكز روحانية متطورة في هذا الجوف تقوم بالإشراف على تطور البشرية ولعل أشهر هذه المدن أو المراكز شامبالا الأسطورية والشهيرة حيث تقود إليها كهوف في أعماق الأرض السحيقة انطلاقًا من التيبت. أما الأخرى الأكثر شهرة أيضًا فهي أغارتي ومركزها أيضًا تحت الأرض في أعماق سحيقة أي في جوفها وتقود إليها أيضًا كهوف وطرق سرية تقع تحت منطقة أهرام مصر الثلاثة.

إن جماعة “التنين الأخضر” اليابانية كانت على صلة بالمعرفة السرانية لأهل التيبت وأحد أشهر أعضائها ألستر كراولي الذي تعلم أصول التانترا السوداء أو ما يُعرَف بالسحر الأسود، وأحد أهم زعماء هذه الجماعة وكان مشهورًا بلقب الرجل “صاحب القفازات الخضراء” ويقولون إنه كان على صلة مباشرة مع هتلر. ولسنا على يقين من مدى صحة المعلومات التي تشير إلى أن غوردجييف نفسه كان هو الآخر على صلة مع هتلر. وتتحدث هذه الجماعة عما يُسمَّى بالشمس السوداء أي المادة الأولية في مركز الأرض التي تنبثق منها طاقة فريل Vril التي يستطيعون من خلالها الهيمنة على شعوب الأرض، وفرض نوع من الاشتراكية السحرية بناء على ممارسات السحر الأسود وتعقيداته، ولذلك كان شعار النازية هو صليب السفاستيكا الهندوسي مقلوبًا باتجاه دوران معاكس لما هو عليه في حقيقة رمزه. ولعل هذا أحد أسباب التحالفات التي قامت في الحرب العالمية الثانية بين اليابان وألمانيا النازية.

أما طاقة فريل Vril ففي حقيقتها ليست سوى المظهر الأسود لما يُعرَف في وقتنا الحاضر بالطاقة تشي في الصين أو البرانا في الهند أو الكي في اليابان وأخيرًا حاول دراستها وتطبيقها علميًا وتكنولوجيًا الطبيب وعالم النفس الكبير فيلهلم رايش الذي صنع مدخرة لها للعلاج وأسمى هذه الطاقة باسمها العلمي “الأورغون” وهي مشتقة من كلمة Organisme… ولا نريد الخوض في تعقيدات ما آل إليه هذا العالم الكبير الذي تم اتهامه أنه عانى من البارانويا قبل أن يزجوا به في السجن لعدم توقفه عن العمل في حقل “الأورغون” وتم الحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات بالسجن التأديبي، حيث مات بسكتة قلبية، وتم تدمير مختبراته… لكننا لا نريد الذهاب بعيدًا واتهام طرف أو آخر أو تضخيم أمر لا أهمية له فالأقدار لها كلمتها الأخيرة في مصائرنا من جهة وحكمتنا في التعامل مع الحدث الراهن من جهة أخرى أي عدم التهور والاستهتار بالواقع.

جماعة “التنين الأبيض” المعاصرة

لا نريد الخوض في تعقيدات بنية هذه الجماعة، ففي الميثولوجيا الصينية كما رأينا، فالتنين الأبيض يشير إلى الغرب، ولذلك نفهم جيدًا لماذا تم إطلاق تسمية “التنين الأبيض” على هذه الجماعة، وهي مجموعة من الأشخاص يملكون سندات حكومية أميركية تعود بقيمة التريليونات من الدولارات، وبالتالي فهي على علاقة حميمة أو قوية مع القائمين على نظام الاحتياطي الفيدرالي للولايات المتحدة أي “آلة طبع الدولار”، ولعلنا لا نستغرب اختفاء جماعة “التنين الأخضر” الذي يرمز إلى الشرق وتلاشي عهد الممارسات السحرية وطاقة الفريل Vril والاشتراكية السحرية للنازية ليحل محلها نظام أكثر حنكة ورقيًا يهدف إلى تطور البشرية من خلال الازدهار الاقتصادي فاعلاً وراء الكواليس هيمنة الفكر أو العقيدة التي تسعى للعصر الذهبي للبشرية، وبالتالي فإن اختفاء “التنين الأخضر” من ساحة الوجود ليس أكثر من امتصاصه وابتلاعه متجسدًا في “الدولار الأخضر السحري هو الآخَر” بقدراته العجائبية في الهيمنة على العالم بأسره والذي هو القلب الحي لجماعة “التنين الأبيض” القادر باللهب الذي يحمله أن يحيل كوكب الأرض إلى رماد هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو يحمل عقيدة وفكرًا يسعى من خلالهما إلى إيصال البشرية إلى العصر الذهبي من خلال عدة عمليات وطرق ووسائل لعل أشهرها عملية بابا نويل Papa Noel التي تهدف إلى جعل الجميع سعداء.

وفي الوقت نفسه، كما ذكرنا حول قدرة جماعة “التنين الأبيض” على إحالة الأرض إلى رماد من خلال اللهب الذي تملكه، وبالتالي لا نستطيع تجاهل القوة الضاربة لهذه الجماعة وقدرتها على التدخل في مجريات الأحداث الراهنة منذ نهايات القرن الماضي وحتى وقتنا هذا، وهي تتدخل إذا ما وجدت مواقفًا أو أشخاصًا ذوي مركز أو سلطة قوية تقوم على عرقلة خططها العالمية لبلوغ هدفها الرفيع. فمنذ عشرات السنين استطاعت خلع ملك السعودية عن عرشه، ومؤخرًا ولكي ندرك مدى نفوذها وقدرتها وهيمنتها حتى على البابوية الكاثوليكية فهي التي كانت وراء استقالة البابا بنيديكتوس ليحل محله البابا فرنسيس مُصلِح الكنسية المعاصرة وفقًا لزعم وسائل الإعلام، ولكنه لم يأت هكذا عبثًا لو لم تكن جماعة “التنين الأبيض” موافقة عليه وبمباركة هذه الجماعة لكي يمضي وفقًا لخططها نحو المستقبل المنشود… لن أدخل في التفاصيل، ولن أتشعَّب في الموضوع أكثر من ذلك… وكل ما نرجوه أخيرًا وليس آخرًا، هو سعادة البشر لا شقاءهم… ولكم مني كل الحب والإخلاص.

*** *** ***

منقول عن موقع معابر للبحوث الإنسانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *